الجمعة، أبريل 05، 2013

نوبة عارمة من الضحك المكتوم ..! (قصة)





(1)

راق للفتى (نادر صالح سعيد) اقتراح رفيقيه (نواف) و(عدنان) ؛ بالخروج مبكراً (الساعة الرابعة عصراً) ، من ديوان المقيل الطويل (مجلس استقبال الضيوف) الذي امتلأ بجزءٍ من الحاضرين من أهل قريته ، في الطابق الثاني ، لمنزل من عدة منازل كبيرة ، تم تخصيصها لاستيعاب الضيوف مع خيم ضخمة ، نصبت في جوانب من القرية ، بمناسبة زفاف ابن أحد الأثرياء ..
 و بالرغم من نفور نادر من الولائم و ضيقه بها , إلا أنه وافق – ضحى ذلك اليوم -على ركوب إحدى السيارات التي تجمعت و امتلأت بأناس من أهل قريته ؛ لمرافقة الوجهاء نحو قرية أخرى (ضمن مديرية الشمايتين ، من ريف تعز الجنوبي) ، استجابة لدعوة مكتوبة ، بعد إلحاح زميليه المذكورين (زميليه في الصف السابع و جاريه في السكن) ..
 انسحب ثلاثتهم من المقيل بسهولة و يسر ؛ فقد كانوا (في الحقيقة) قرب الباب ، و توقفوا في الردهة ، باحثين عن نعالهم بين كمية كبيرة من الأحذية و النعال ، التي تزاحمت أمام عتبة الباب ، محتلة نصف الردهة ، متجهة في عمومها اتجاهاً موحداً (كجمهور مزدحم أمام مسرح في الهواء الطلق) ..
طفقوا يقلبون بأصابع أقدامهم الأحذية و النعال ، التي كانت متعددة الأشكال و الألوان و الأحجام و الأنواع ، و كان يفترض أن يجدوا نعالهم ، البلاستيكية البالية ، المحلية الصنع ، بسرعة ؛ فالموجود من النعال و الأحذية البالية قليل جداً قياساً بالجديد منها (تذكروا أن هذه و ليمة) .. كما أن بعض هذه النعال البالية مهترئ جداً لدرجة أن استخدامها يصبح تعسفاً مقيتاً ، يضر و لا ينفع .. (الأرجح أن من يقحم قدميه في هذه النعال -إضافة لفقره المدقع – يبدو أنه يكافح حتى آخر رقعة من بقايا النعل كي لا يدخل ضمن مدلول مصطلح الحفاة ؛ و من ثم يظل شخصاً منتعلاً على الأقل من الناحية اللغوية !) ..
أما جمهرة الأحذية و النعال فكانت جديدة ؛ إيطالية ومصرية و سورية و صينية .. و رغم أن هذه كانت تتميز بالضخامة إلا أن بعضها كان بالغ الضخامة ؛ و يمكن القول أنها كانت تمثل عمالقة النعال و الأحذية !
و من الملاحظ ، أن أكثر الأحذية والنعال البالية ، تحتل المساحة الخارجية ، خلف الأحذية الجديدة ، ( كمدن الصفيح حول كبريات المدن في العالم! ) ، و القليل يتوزع في الجهة المقابلة من الردهة ، أعلى درج السلم المؤدي إلى أسفل ، و في كوة على الجدار ، و في الدرجات الثلاث الأولى من الدرج الصاعد إلى أعلى .. تتناثر زوجين زوجين ، (كما لو كانت مكتئبة أو تميل للهدوء ، أو تنشد الراحة ؛ بعد مسيرة طويلة  على طريق ترابية أو جبلية وعرة ، تحت ثقل أقدام ، قد تكون شديدة الجلافة ، و غالباً بدون جوارب! ) ..
يجب أن لا ننسى ؛ أن هناك قلة من الأحذية و النعال البالية و المهترئة كانت ترتمي قذرة (رطبة أو مشبعة بالغبار) بعشوائية و فوضوية ، على الأحذية و النعال الجلدية الجديدة ، الصغيرة و الكبيرة ، و حتى العملاقة ، في مظهر شاذ ، قد يكون له دوافع غامضة .. قد يكون – مثلاً -القرم المستبد بنفوس أصحاب بعض الأقدام المعنية ‏هو الذي جعلها تتغول و تخرق الترتيب الاجتماعي ، في اكتساح عدواني غاشم ، يبدأ من النظام المرعي بوضع النعال ، مروراً بأطباق فتح الشهية – المشهيات -فالأطباق التمهيدية المتوسطة ، ثم المائدة المركزية ، و انتهاء بألوان و أصناف التحلية المأكولة و المشروبة!
و قد يكون تخطي هذه النعال للآداب المرعية في هذه المناسبات ، هو خوف بعض ذوي الأقدام التي تخصها من وجود لصوص أحذية ؛ مع افتراض أن اللص – إن جاء - سيصطاد من الأزواج الخلفية – مدن الصفيح -أو تلك القاصية المتناثرة القابعة باكتئاب بعيداً عن الجمهور ..  مع افتراض أن هذا اللص سيأتي – إن أتى -صاعداً من الدرج ؛ و ستكون هذه الأحذية و النعال (المكتئبة) هي المعرضة قبل غيرها لأصابعه (المرتعشة غالباً) .. و هذا الافتراض – بدوره -مبني على احتمال أن يكون اللص أصلاً من النوع العادي ، الذي يرتعش قلقاً ، و يتصبب عرقاً ، و ليس من نوع الواثق بنفسه ، من أساطين لصوص أحذية و نعال الجوامع المتخصصين (مثلاً) .. و القاعدة العامة هي أن لصوص الأحذية و النعال هم - في غالبيتهم - من الطبقة الفقيرة ؛ و من غير المعقول أن يسرق أحدهم حذاءً جلدياً راقياً ؛ لأن الفقير من السهل – خاصة إن لم يكن من عائلة قوية  -أن يشار إليه بأصابع الانتقاص إذا ثبت أنه لم يكن إلا من الصالحين في المجتمع ، أما في حالة سرقته لحذاء فدليل الإدانة سيكون كالشمس ظهراً حين تستقر أعين المعروفين وغير المعروفين على أقدامه ، و تعاين المفارقة الهائلة و (غير المقبولة) بين قدمين نحيلتين معروقتين كادحتين ممتلئتين بثوراً و كَنَباً ، و نعلين جديدتين راقيتين لامعتين من الجلد الأصلي الثمين ! .. و من ثم تصعد هذه الأبصار محفوفة بملامح ذات مغازي و معاني سلبية متنوعة تنوع النفوس البشرية ، صافعة هذا النشال (في مرافعة شعبية) بالسؤال الأعلى صوتاً – حينها -و الأكثر شيوعاً ، و الأكثر مساساً بأمن المجتمع  و كرامته و حضارته ! :
- من أين لك هذا ؟!
و رغم أن هذه نباهة محمودة عموماً ؛ إلا أن هذا المجتمع لم يسأل ، و لم يخطر بباله أن يسأل أي سؤال من مثل (هل أنت من سكان القرن الواحد و العشرين أم من أهل الكهف؟!) و هو يرى كثيراً من أفراده حفاة عراة ينحدرون بسرعة نحو حضيض لا يليق .. لا أقول بكلاب أوروبا ، بل بحيوانات ذلك المجتمع ..!
بقي هناك احتمال أخير لوجود أحذية و نعال رديئة بالية بتلك الصورة التمردية على تلك الأحذية و النعال الفخمة ؛ وهو أن هناك من يُكِنُّ لأثرياء و وجاهات المجتمع كراهية مكتومة (تراكمت مع كل دقيقة حرمان) ؛ فيتخذ من وقت ابتعاد هذه الأحذية و النعال عن فخامات الأقدام الدسمة فرصة سانحة للدوس عليها و تمريغها بغبار و قذارة و رطوبة و نتن أحذيتهم و نعالهم الكالحة ، بل ترك هذه الأخيرة مستلقية عليها بصورة مستفزة كثورة اجتماعية شعبية تشبع ثوارها ب(الحتمية التاريخية و استنباطات الديالكتيك) وترقص فيها (البروليتاريا) البلاستيكية الكادحة الممزقة المهترئة البالية على (البرجوازية) الجلدية بمختلف أشكالها وألوانها و أحجامها رقصات هستيرية مرضية في عروض تشفي و حفلات انتقام سادية !
بحث (نادر) و رفيقاه عن نعالهم ، و مسحوا ساحة النعال كلها بأعينهم -أولاً -مسحاً دقيقاً من جهات مختلفة عدداً من المرات .. و بدلاً من رؤية نعالهم هنا أو هناك بمجرد النظر فقط ، طال وقت الفحص البصري حتى تداخلت صور النعال في أعينهم فصارت غير كافية لإنجاز هذه المهمة لوحدها .. فقرر الثلاثة الانتقال إلى المستوى الثاني من البحث مستخدمين – مع انحناء بسيط -أطراف أصابع أقدامهم التي أخذت في تقليب النعال و الأحذية خاصة في منطقة الأحذية الضخمة و العملاقة التي لا شبه ، و لا علاقة لنعالهم البلاستيكية البالية بها من أي جانب من الجوانب إلا في احتمال أن تكون الأولى قد جثمت و تمطت بأصلابها و أردفت أعجازها و ناءت بكلاكلها على الثانية فلا ترى لها أثراً و لا تسمع عنها خبرا .. و هكذا فقد وجدوا أنفسهم في مندوحة عن أمرهم للكشف عن الفجوات و الكهوف بين عمالقة الأحذية ... و لما فشلوا في العثور عليها بهذه الطريقة لم يكن هناك بد من المستوى الثالث ؛ فركعوا بقاماتهم ركوعاً جعل المسافة بين وجوههم و الأرض لا تتجاوز شبرين اثنين فقط .. و بهذه الوضعية (التي تذكرك بشرلوك هولمز و الدكتور واطسون) صالوا و جالوا فاحصين بأيديهم ببطء و تركيز شديدين كل حذاء و مكانه عدة مرات ، حتى أنهم أقحموا أيديهم في تجاويف الأحذية العملاقة ذات الأفواه الفاغرة كالمغارات احتساباً لما يمكن أن يكون قد وقع من تغييب متعمد أو غير متعمد للنعال في غياهبها ..!

(2)

لا أثر لنعالهم !!
وقف أحدهم فتبعه الآخران ، فتبادلوا النظرات الحائرة برهة : ما الحل ؟!
و لما كان نواف قلقاً من اقتراب ساعة خروج الناس من الديوان همس (بفحيح واضح) لرفيقيه بعد أن وضع كفه اليمنى على طرف فمه في وضع نصف دائري ليصنع بها مكبراً يدوياً للفحيح الهام و العاجل :
-                نأخذ من أحذيتهم بدلاً عن نعالنا .. أليس كذلك ؟! .. لا يوجد حل غير هذا ..!
بغض النظر عن الرذاذ المتطاير سنجد في عبارة نواف استفتاء صورياً يوحي بأنه قد حسم أمره و أفتى نفسه و قرر السرقة !
 راقت الفكرة الشيطانية لعدنان بسرعة تفاجأ لها نادر! ، الذي كان يظن أن عدنان هذا يؤخذ عليه من جماعة المدرسة مغازلاته العبثية للطالبات في مفارق الطرقات فقط ؛ و كان يتصور أن بعدنان ما يكفي من الصفات الجيدة لرفضه – المبدئي على الأقل -فكرة نواف ، بل لاتخاذه منها مادة للتفكه و التسلية :
-                لقد أخذتها من لساني والله! ؛ هذا هو الحل الوحيد .. نحن ضيوف في قريتهم ؛ و عليهم تحمل مسؤولية سرقة نعالنا ..

قال عدنان بفحيح مماثل ، داعماً كلامه بضحكة مفتعلة مستهترة ، و براحة يده ، التي رفعها عالياً ، و أهوى بها ؛ لتلتقي براحة يد نواف الممدودة ؛ الذي شعت عيناه الواسعتان ، إشعاعاً ينم عن غرور أحمق ( حين يتحدث نواف يحتاج – عادة -لحركة حمقاء مبتذلة من عابث مستهتر – كعدنان -لتراه بعدها فقاعة تتلاعب بها زوابع الأنانية على سطح بحر من الغرور المائج ) ..
أما نادر ، الذي كان يعرفهما تمام المعرفة ، فقد بدت له الفكرة قذرة ، لدرجة المرارة ، التي طفحت بها ملامحه ، وجعلته يفضل الصمت ؛ كمن يداري نوبة غثيان ، خاصة أنه يعرف أن نوافاً -جاره الأقرب -لا يعير القيم الفضلى أي اعتبار ، كلما سنحت له فرصة ، لنيل منفعة ، أو دفع مضرة ، بمضرة أخرى تقع على الأبرياء غالباً ، كما يعلم أن (نواف هذا) منذ الطفولة لم تكن أمه (عرابة سلوكه) تمنعه من فعل أي حماقة أمامها ، حتى إن كانت نهباً علنياً ، لبسكويت الآخرين أو ألعابهم ، أمام أعين أمهاتهم ، بل كانت تشعر بسرور خفي ، و تتظاهر تظاهراً فاشلاً و خبيثاً بكونها أعقل من أن ترى أو تأبه لما يفعله الصغار (رغم عينيها الواسعتين المخيفتين اللتين تقدحان بالشر) ، و تكتفي تجاه احتجاج الأمهات بمط صوتها الذي تتكلف أن يكون هااااادئاً و عاطفياً .. و ساخراً :
(هم صغاااار و بسكويتة ليست مشكلة ؛ لن تفقر هذاااا و لن تغني ذاااااك) !!
و كان نادر يعرف أن عدنان شخص مستهتر ، لكنه لم يتوقع موافقته السريعة على السرقة .. أما وقد فعل ، فقد شعر نادر بإهانة بالغة و متعمدة من شخص طالما كان الاحترام هو السائد بينهما ، خاصة أن هذه الإهانة جاءت مجاراة لشخص مثل نواف الذي تعد حماقته و حقارته وتدينه الزائف المادة الخصبة لطرائف و تعليقات عدنان الفكاهية المستمرة ..
كما شعر نادر أن التغطية المتوقعة من عدنان لحادثة السرقة بتأليف النوادر و النكات لن يكون كافياً لإزالة الشعور بالإهانة على المدى القريب .. إنه يجد صعوبة في التسامح مع من يؤذي الناس ..
لم يحد من تداعيات موافقة عدنان السريعة في نفس نادر إلا الذهول المفاجئ الذي داهمه و هو يرى نوافاً يدرج قدميه في فردتي حذاء من النوع الثمين جداً ! بل من أثمن ما يوجد على مقاس قدمه ! .. و زاد ذهوله ؛ حين اعترى الحماس عدنان ؛ الذي اندفع راكعاً ؛ ينقب بيديه ، و هو يضحك ضحكته الهزلية المفتعلة ، التي رفعت معنويات نواف أكثر فأسرع هذا مسعفاً إياه بسبابته مشيراً له تجاه أحد الأحذية المشابهة :
-                خذ هذا ..! خذ هذا -يا عدنان -بسرعة !
 فلم يتردد عدنان الذي لم يكن يميز بين الجيد و الرديء من الأحذية الجلدية ، و لم يسبق له أن لبس غير البلاستيك المحلي !
- ألا تستحون؟! أنتم تسرقون أحذية جلدية ثمينة ، تعود لأبرياء ، مقابل نعال ‏‎‎بلاستيكية بالية و رديئة !!
قال نادر بعد أن رأى أن الاكتفاء بالشعور بالمرارة لا يكفي تجاه هذه الصفاقة .. فرد نواف صارخاً :
‏- خذ لك واحداً ، و توقف عن السخافااااات ، هيا بدون فلسفة!
كان صوت نواف مرتفعاً عدا بعض المقاطع الصوتية المكبوحة بغرض التشويش ... كان نواف يشعر يانزعاج واضح ؛ لأنه كان واثقاً أن نادراً قد يفكر – في هذا الموقف -بكون القيم التي يتبناها بقوة لا محل لها هنا..! بل كان نواف يشطح في تصوره أن نادراً (سيشكره على عبقريته الفذة ؛ بابتكاره حلاً سريعاً ، لمشكلة عويصة ، يعلم نادر علم اليقين ، أنها لن تقع إلا على رأسه – اليابس -وحده ، حين يعودون لقريتهم ؛ حيث يمكن لوالدتي نواف و عدنان أن تشتريا نعالاً جديدة بنفس الساعة ، بينما سيتعرض نادر (اليتيم الذي مات أبوه و خلفه مع أربعة إخوة أصغر منه) للصراخ و الشتم من أمه القاسية ، و ربما سيتعرض للضرب المبرح ، بالرغم من أن هذه الأم ، لم تكن معوزة لدرجة عجزها عن شراء نعل بديلة ، بل الحق أنها كانت تقوم بالشراء في مثل هذه الحالة ، لكن الحق أيضاً ، أن هذا لا يكون ، إلا بعد أن يتجرع نادر منها مرارة العبارات القاسية ، و الشتائم التي لا يسلم منها حتى والده ؛ الذي يصور لها خيالها السقيم أنه لم يمت إلا شحاً و رغبة بتعذيبها و هروباً من تحمل مسؤوليته تجاهها و تجاه أولاده الخمسة خاصة نادر (الملعون ابن الملعون( !
الحقيقة أن تصور نواف لمأزق نادر – في حال عودته دون نعال -مع أمه كان صحيحاً ؛ فقد كان هذا الأخير ، يعيش تحت سطوة امرأة ، لا تكف عن الصراخ ، إلا حين تنام فقط ، أو حين تثرثر مع النساء ، متحدثة كعادتها بمناسبة و غير مناسبة بأسلوب مهين عن نادر و إخوته (الذين لا عائل لهم) و عن (تضحيتها التي لا مثيل لها من أجل أن لا يموتوا من الجوع) ، و لا تسكت قبل أن تشكو من (عقوق نادر و كسله) صارخة في وجه المدافعات عنه (لأولادكن آباء ، أما هو فلا أحد يكد و يتعب من أجله غيري)! .. رغم أن هذا الفتى – الذي لم يكن يتمرد على أسلوب أمه في الحياة إلا أحياناً - يعاني من آلام في العمود الفقري ؛ بسبب الأعمال الشاقة في الحقول ؛ لدرجة أنه كان يقوم بحمل كتبه المدرسية ، إلى كل مكان يذهب للعمل فيه ، لاختلاس بعض اللحظات التي تمكنه من تخفيف عبء الواجبات المدرسية التي ينفذها عادة بعد صلاة العشاء ؛ و من ثم النوم في وقت مبكر ليلاً بضمير مرتاح ...
إن نادراً يشعر ، على نحو متزايد ، بصدق ما يتفوه به بعض النساء و الرجال ؛ من عبارات تتعلق بطيبة أبيه ، الذي (اختاره الله إلى جواره ؛ لينقذه من امرأة ، تفهم الحياة الزوجية بكونها العيش مع الرجل الذي يجب أن يجلب لها كل ما يجلبه الرجال لزوجاتهم و أكثر ، بأي طريقة ، و أن تسقيه ، من كل مائة تسعاً و تسعين كأساً ، من العصير المشكل ، من الحنظل و العلقم و المر و الصبر ، سواء حقق لها ذلك أم لا) ! .. لكن نادراً لم يخرج عن ضرورة ، بذل الاحترام والطاعة لأمه ، ما استطاع إلى ذلك .. و هو الذي تعاوده دائماً ، نوبات بكاء ؛ رحمة بأمه ؛ التي كان مقتنعاً أنها ضحية للتربية التقليدية ، في أحط صورها ، كعامل أساسي في تشكيل عقلها و مشاعرها و تصورها للحياة ..!
‏- لا تقرر ما يجب عليّ فعله يا نواف !
قال نادر بهدوء و صبر ، لم يزعزعهما صوت نواف ، و لا اندفاعه الأحمق ، لاختيار زوج حذاء آخر جديد ، من النوع الثمين و قيامه بدفع نادر من الخلف ، بيديه الضخمتين بقوة ، صارخاً :
‏- البس يا حماااااار الناس بدؤوا بالخروج ، هيا !
كان صوت نواف واضحاً هذه المرة ؛ بعد أن زاد قلقه ، حين رأى أول المغادرين ، يختفي هابطاً الدرج بسرعة ، مع عدنان الذي انسحب محافظاً على مساحة ممكنة من الاحترام ، بينه و بين نادر ، الذي شعر بوقاحة نواف حين دفعه بيديه حتى كاد أن يقع  : (حين يتجرأ هذا الحقير إلى هذا الحد ، هل يظن أن بإمكانه بمثل هذه الوقاحة أن يتخذني منديلاً ؛ يمسح به القذر عن نفسه؟!) .. حدث نادر نفسه .. قبل أن يقول لنواف :
‏- لا تكن سخيفاً ، و اهتم بشأنك.. لا شأن لك بغيرك ، و أحذرك من لمسي ثانية ، يا نواف !
 جاء رد نادر ، بنبرة فيها قوة ، و حزم ، و هدوء ، و هو يعلم أن رغبة نواف (باستخدامه كمنديل) لن تصل به إلى درجة دفعه بقوة و وقاحة لولا المشكلة المحتملة لنادر مع أمه -التي يوقن نواف بحدوثها – و التي تقف دون شك وراء تسلطه الغريب (القديم الجديد) ، الذي يستطيع نادر من خلاله تمييز ذلك السرور الباطني ، الذي يتملك نوافاً (كلما وقع نادر في مشكلة متوقعة مع أمه) شاعراً بصلاحية ظرفية ضرورية انتهازية ، لعضلاته المفتولة ، التي طالما تمنى أن يدمي بها أنف نادر لولا مهابة غامضة لا يجرؤ نواف تجاوز خطها النفسي الأحمر ، رغم ضعف نادر الجسدي ، مقارنة مع عضلاته المفتولة ..
و بسبب علم نواف و قناعته ، بصواب موقف نادر ، يتضاعف شعوره بلهيب الحسد تجاه هذه النزاهة ، التي لا يقوى على قليل منها ، رغم تكلفه إياها ، تكلفاً مرهقاً ومخزياً ، ينتهي بالسقوط الأخزى ، في كثير من المواقف ؛ فهما مثلا سيلتقيان في حلقة القرآن بعد المغرب ؛ و كعادته سيحاول نواف ، محاولات فاشلة أن يوهم الأستاذ و الطلاب ، أنه مثل نادر في القراءة و الترتيل و التجويد رغم البون الشاسع .. وبعد الصلاة سيحاول تحت شعوره بالفشل – كعادته - أن يتقرب من نادر بصورة مثيرة للإشمئزاز ، قبل أن ينقلب عليه (في اليوم التالي أو الذي يليه في نوبة حسد مفاجئة) مائة وثمانين درجة ؛ لمجرد إرهاقه و ملله ، من أعباء التكلف والنفاق ، الثقيلة و المضجرة .. بل يمكن أن يعلن حرباً عدائية ؛ من التعالي و التكبر و الغمز و اللمز و الغيبة و النميمة .. لدرجة يبدو فيها نواف فوهة لحمم خبث مدمر ؛ لمجرد قدوم ابن خاله من المدينة (مثلاً) ..!
و رغم محاولات نواف الفاشلة -التي لا يستحي من تكرارها -للتغلب على حسده لنادر ( بدأ  هذا الحسد منذ أن أحتل نادر المرتبة الأولى في الصف الأول قبل سبع سنين) إلا أنه لا يتأخر ، في مثل هذه الفرص ، التي لا يحسبها بدقة ؛ حين يتوهم -كل مرة -أن (على نادر أن يركع له هذه المرة لأن تفوقه العلمي و التزامه الديني الصادق ليسا ضمانة كافية لنجاته من ورطات الحياة الحقيقية ، و أن وقائع الدهر لها أبطالها ، أمثال نواف ! الذي يملك خبرة بالحياة ؛ حيث يسافر إلى صنعاء و تعز و عدن ؛ بينما نادر هذا ، لم يخرج من القرية قط! ) ..
من هذا المنطلق نجد نوافاً يصرخ صراخاً مقززاً بصوت قبيح فاضح كساقطة :
‏- أمك ستضربك يا حمااااااار .. طول عمرك ستبقى مغروراً و غبياً .. خذ أي نعل قديمة هيااااا .. لا مكان لأفلاطون هنا .. نحن لسنا في الصف يا سخيف ..!
إذا استثنينا عبارة (خذ أي نعل قديمة) المكبوحة ، سنجد أن نوافاً أطلق زعيقه المقزز ، و هو موقن أن (مجرد تذكير نادر بأمه ، سيكون الضربة القاضية ، التي سيلذ له كثبراً وسيسكره أن يرى على إثرها نادراً ذليلاً ، خائفاً ، مقموعاً ، شارداً ، فارغاً من أي مضمون ، أمام البطل نواف ، المدعوم بقوة ، من الصديق المرح الذكي عدنان ، الذي ينطوي موقفه ، هنا ، على ذكاء حقيقي ؛ ليس له علاقة بذكاء نادر في المواد الدراسية ، التي لا تعدو أن تكون كلاماً لا فائدة منه!) ..
‏- ببساطة و للمرة الأخيرة ؛ لست لصاً -يا أصدقاء - و لن أسرق مثلكما .. هل تفهمان؟! .. لن أسرق !
قال نادر بذات اللهجة الهادئة الحازمة .. و هو يضغط على مقاطع الجملة الأخيرة  ..
هنا ، بدأت الناس تغادر الديوان ، بكثافة مثيرة لقلق نواف ..!
-                سيتركوننا هنا ، هيا - يا نادر - لا تكن عنيداً ، خذ أي نعل .. هيا ، هل أنت مجنون ؟!
قال نواف ، بلهجة عادت لنفس الفحيح ، و إن جعله هذه المرة خافتاً ؛ بعد اقترابه من نادر ..
‏- قلت لن أسرق مثلكما ، و لن أترك شخصاً بريئاً ، يدور هنا كالشاة التائهة ، باحثاً عن حذائه ؛ بينما أكون أنا مرتدياً إياه بأعصاب ميتة ؛ و كأن الله سمح لي بذلك ؛ مثل (الخَضِر)! .. و من قلة الأدب – يا نواف - أن تحاول إجباري على ذلك ، ألا يكفيك هذا ؟!
‏- أرجوك! خذ نعلاً بالية .. هيا هيا .. خذ تلك النعل القذرة هيا ..!
قال نواف ذلك ، بصبر غريب .. كأنه مصرٌ على شرعنة نشله لحذاء ثمين (وجد عذراً لحيازته فقط) بتوريط صديقه وجاره النزيه برذيلة مماثلة ؛ سيشعر نواف في حال حدوثها ، أن سرقة الحذاء بهذه الطريقة (حذاء بحذاء) ، ليس عملاً جائزاً فحسب ؛ بل و بإجماع أئمة السلف و الخلف ..! وبالقدر نفسه كان نواف ، يتصرف تحت تأثير رغبة دفينة وقديمة )بتدنيس هذا النادر! ]في اللهجة المحلية أل التعريف هنا للتحقير[ الذي يريد أن يكون مميزاً و مختلفاً ، رغم عدم وعيه بكونه أقرب الجيران لي ، بكل ما يعنيه هذا من الإشارة إليّ مباشرة ، رغم أنني غير يتيم ، و أتميز عنه بفارق كبير بالقوة الجسدية – أستطيع ضربه لو أردت ضربة ذكية  سريعة دامية في الأنف  - كما أتميز عنه بالمال ، و بالمنزل ، و بالسفر ، و بلعب كرة القدم ، و بالملابس ، و أشياء كثيرة  )
‏-  هذا عمل أقذر ؛ لأن الضحية سيكون في هذه الحالة فقيراً ... يا بطل !
رد نادر على إلحاح نواف الذي امتقع لونه لهذا الرد المذيل بسخرية ، فتخيل متمنياً (أن يلكمه على الأنف) وهو يراه (يتفلسف) بطريقة ذكرته بالصف الدراسي )فوهة البركان الرهيبة لنار حسده المهول( ..
و ربما بحماس ناتج عن لكمته المتخيلة هذه ؛ صرخ نواف في وجه نادر بحنق هائل ، مزبداً ، ملطخاً وجهه برذاذ بل بقطرات لزجة من لعابه المتطاير من فمه الذي بدت الرغوة على زاويتيه ، قبل أن يقفز ،  هابطاً الدرج :
‏-  هل تريد الصدق؟!
و لم ينتظر جواباً بل واصل بصوت مرتفع :
-                كنت أدافع عنك و هم يقولون أنك مغرور ؛ و الحق معهم فأنت لست لا أفلاطون و لا أرسطو ؛ بل أكبر مغرور على وجه الأرض .. و أمك هي خير من يربيك يا مغرور ..!
غالباً ما يضرب نواف المثل بهذين ، حين يجادل ، متهماً نادراً بالغرور ، و غالباً ما يكون ذلك آخر شحنات حسده الحارقة ، قبل أن يجري مبتعداً عنه ، بطريقة حيوانية قبيحة ، لا يرفس فيها و لا ينهق تماماً ؛ لكنه يركل الفراغ أمامه ، ويصفر بفمه صفيراً مزعجاً (يجيده) ، كمحاولة فاشلة ، لتغطية ما يشعر به في اعماقه ، من فشل جديد ، في صراعه المرضي مع نادر  ..!

(3)

بعد أن شعر نادر بخلاصه ، من كابوس رهيب ، طفق يرصد الأقدام الخارجة ، و لديه أمل ، بل (إحساس غريب وقوي ، أن نعله قريبة ، في مكان ما هنا) ! ‏‎‎‏.. أقدام متعددة تلك التي تخرج .. صغيرة و كبيرة و متوسطة .. نحيلة وسمينة و عادية .. قصيرة و طويلة .. سمراء و بيضاء وزهرية غامقة .. ناعمة و خشنة .. صافية و مشوبة .. و بين هذه الصفات عشرات من الصفات الثانوية التي جعلت نادراً يشعر أن الأقدام كما الوجوه تنفرد بخلطة أو خارطة من السمات الخاصة بصاحبها مثل البصمة ..
كان يقف على الجدار ، أسفل الدرج الصاعد ، بطريقة ، يحاول فيها تحاشي عدم معرفتهم بفقدانه لنعله – إن هم لاحظوه – لكن يبدو أن صغر سنه ، و انهماك أهل قريته بالبحث عن أحذيتهم ، و حرصهم على الهبوط مباشرة ، رغبة في احتلال أماكن و مقاعد مريحة في السيارات ، شغلهم عنه ..
و رغم أن نادراً كان يساوره قلق متزايد ؛ كلما تقلص عدد الأحذية ، إلا أن إحساسه براحة الضمير و زهو باطني بالنصر الأخلاقي (في هذه الحادثة) جعل ذلك الشعور الغريب (بوجود نعله في مكان قريب) لا ينقص ؛ بل يزيد .. (هذه حالة شعورية وجدانيه ، يجدها حين يتزامن في وجدانه عدد من المشاعر القوية ، بعد شعور عميق بإهانة بالغة لكرامته ، ناتجة عن عدوان حقير و متعمد ، فينتج عن هذا الشعور حاجة هائلة للبكاء ، تجعله يكافح كي لا تكتسح كيانه أمام الناس فيعمل على مداراتها لتظل ساكنة حتى ينفرد بنفسه -في الليل غالباً حيث يحلو له تحقيقها بإشباع تام -.. لكن روحه لا تعرف التأجيل ؛ فهي تعول مباشرة ؛ كريح ديسمبر ، في غابة من غابات سيبيريا الصنوبرية ، عويلاً مصحوباً بضراعة فطرية ، خالصة لله الأعلى ، فينتابه ، في ذروة هذا العويل الروحي ، غير المسموع و غير المرئي ، شعور عميق ، فطري خالص ، بعين الله ، تراقبه ؛ فيشعر أن بلسماً ، من عوضه - لا شك - سيغمره بحنان) !..
حين خرج آخر رجل  ، دخل نادر الديوان ؛ بدافع من ذلك الإحساس ، فجرى لزواياه الأربع فاحصاً بعينيه ، و لما لم يجد شيئاً ؛ خرج منه مسرعاً ، و حين خطا الخطوات الأولى حافياً ، على الدرج ، شعر بمد عالٍ من الحزن ، يتدافع على خلجان ذاته الجريحة .. لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة هبوطه ، بذات السرعة .. و قبل أن يخرج من باب حوش المنزل ؛ سمع أصواتاً قريبة ؛ تتحدث عنه ، بينها صوت نواف :
‏- أين هو ؟
‏- من نادر هذا؟
‏- ابن صالح عُمَيشة .
-    اصعدوا و اسحبوه بالقوة ..
 صعد الدم إلى وجه نادر ، و كاد أن يطفر من أنفه ، الذي أصبح الهواء البارد جداً في الخارج لا يدخل عبره إلا بصعوبة .. لقد كان ذلك لقباً لجده في الحقيقة (عميشة) ؛ لكنه لم يكن مستخدماً ، إلا في نطاق محدود ، مثل مجالس كبار السن (مثلاً) و حتى في هذه المجالس لا يستخدمه غير قلة من السفهاء .. لقد سمع أحدهم يذكره (الآن) ، بغلظة وجفاء .. و نادر لا يستطيع إلا أن يبغض كل من يذكر هذا اللقب أمامه  ..
‏- أين تأخر؟ .. نادوه ، و إلا سنتركه ، فلسنا في حضانة هنا ..
صرخ السائق ، و يبدو أن هذا أطرب نوافاً ؛ فصرخ هو بصوت أعلى :
‏- أين هذا الحمااااار ؟! أين هذا الغبي؟! من سمح لأمه بالخروج من القرية ؟!
عرف نادر صوت نواف .... (الحمار هو المشبه به الأول الذي يحتل معظم صور الغباء و الحماقة التي يستخدمها الناس) ... و في عبارة نواف محاولة واضحة ، لإقناع الناس بكونه ذكياً باستخدام (الإسقاط المرضي) الموجه ضد نادر ؛ فهو لم يكتف بلفظ الحمار ؛ هذا الحيوان المظلوم اسماً و جسماً ؛ و الذي لم يفقد معظم صلاحيته لحمل الأثقال المادية أمام الدابة الحديدية للثورة الصناعية (السيارة) فحسب ؛ بل صار من الابتذال بحيث جردته الثورة المعلوماتية من معظم حمولته الدلالية التشبيهية التي يساق لأجلها منذ القدم ؛ لذا  أضاف نواف بذكاء غريزي لا عقلي نعتَ (الغبي) تداركاً لهذا النقص في لفظ (الحمار)..
أما ذكره للأم ، بطريقة تمثل شتيمة بحد ذاتها ، فقد أراد أن يظهر فيها نواف نفسه كرجل كبير نفد صبره (في عرف الأطفال ، الكبير في بلادنا هو : من ينفد صبره بمجرد حديثه الضروري بله التعامل معهم) ..
و ربما عدم اقتناع نواف بخلع صفة الغباء على نادر ، هو ما جعله يشتم نادراً بذكر أمه بغباء فاضح ، لم يترك له – هذا الغباء -فرصة ليصدقه الناس ، و أبى إلا أن يرافقه حتى و هو يتهم الآخرين به !
أحرجت هذه الأصوات نادراً ، بل بعثت فيه الرهبة ، وزاده رهبة و حرجاً أصوات متنوعة لأبواق و محركات سيارات ، قريبة وبعيدة ، و خليط أصوات لجمع هائل من الناس ، قريبة و بعيدة ..
حين بدا نادر من باب الحوش ، كانت السيارة التي فيها نواف ، هي المتبقية ، من سيارات أهل قريته ، بينما كان هناك خلق كثير ، يروحون إلى الجهات الأربع بعشرات السيارات المختلفة ، و على دراجات نارية و عادية ، و مشياً على الأقدام ، و كانت الساحة واسعة أمام الحوش ، فصرخ نواف بأعلى صوته ؛ محاولاً جذب كل من يمكن جذبه من الناس (نحو لقطة مسرحية هزلية يحاول إخراجها و لعب دور البطل فيها) :
‏- أين أنت يا حماااااار هيا أسرع .. الناس ليسوا خدمك .. مرة أخرى لا تخرج مع الرجاااال .. نحن نتجمد من البرد .. و أنت تأتي متأخراً مثل طفل .. !
و لأن نوافاً موقن أن نادراً لن يتحدث عن سرقتهما ، هو و عدنان للأحذية الثمينة ؛ لأدبه الجم و دماثة طباعه و مرونته و عشقه للسلام ، و قبل كل شيء يقينه بعدم وجود فائدة من ذلك ؛ فقد واصل (نواف) دوره (كبطل) ليصل في الوقت المثالي إلى نقطة الإثارة في اللقطة المسرحية التي أخرجها (بغرائزه لا بعقله) :
-    هآآآآآآآآآ .. اعذروه يا جماعة .. إنه بلا نعل ، و قد تأخر للبحث عنها .. لأن أمه ستبرحه ضرباً .. لو عاد حافياً .. اعذروه ..
 قال نواف ، مخاطباً من في السيارة ، بصوت حاول أن لا يسمعه أحد غبرهم .. ثم التفت إلى نادر ، و عاود الصراخ :
- هيآآآآآ .. تعلق ، يا أهبل ، بسرعة !!
لقد نجح هذا الخبيث ، بلفت أنظار من بقي من  أهل القرية و جمع كبير من الأغراب ، الذين جذبهم بزعيقه إليه أولاً .. لعضلاته المفتولة ، كما لو كان هو الأخ الأكبر للآخر .. ذلك النحيل الذي يمشي على الأرض ، حافياً ، ناكساً رأسه ، و يكاد يتعثر .. لما يظهر عليه من الحياء الشديد ..
لقد رأى نادر مئات الوجوه ، تحولت من نواف إليه ، و هو يمشي عاري القدمين ، تخز الحصى بشرته الرقيقة ، قاطعاً المسافة الحرجة ، من باب الحوش إلى العقب الحديدية ، لسيارة النقل العام ، ال(تويوتا) ذات اللون الأصفر الغامق ، المزدحمة بالركاب ، و التي يقف على مقودها رجل يعتقد أن من حقه – وهو على المقود – أن يأمر بسحب طفل أو ضربه (حين يقول سائق سيارة من عندنا : اسحبوه .. فهو يعني اضربوه .. على أساس أن التعريف الجامع المانع للطفل – في تصور معظم أطفالنا -هو : إنسان صغير يتعرض للصراخ و الضرب من إنسان كبير)..!
 شعر نادر – لرهافة حسه و حيائه – بإهانة بالغة ، لم تدع له من القوة العصبية ، و التماسك الوجداني ، إلا ما يمنع به نفسه الحزينة من الإجهاش بالبكاء كالرضيع ، رغم أنه لم يستطع منع سقوط دمعات ، انحدرن على خديه ؛ فأخذ يحاول إخفاء وجهه ، بالتقنيات الحركية الممكنة ، التي لم يكن واثقاً من نجاحها ، خاصة في اللحظة التي وضع بها قدمه الصغيرة ، على عقب السيارة ، قابضاً بيديه النحيلتين على باب الشبك الخلفي ، رافعاً القدم الأخرى ، قبل أن يستوي بجوار أربعة ركاب ، غير معروفين ، متعلقين خارج الشبك ، شاكراً إياهم ، بصوت مضطرب خافت ؛ لتركهم مجالاً مناسباً ، مكنه من التعلق ..
‏- هل فقدت حذاءك؟!
سأله أحدهم سؤالاً ، ظهر من نبرته اللطيفة ، أن السائل لاحظ دموعه ؛ و من ثم اكتفى السائل بإيماءة ، من رأس نادر ، الذي طأطأ رأسه ؛ إشارة لشعوره بالتضايق (لعل للآخرين بعض الذكاء العاطفي ، ليفهموا إشارته) ..


(4)

انطلقت السيارة جنوباً ، بسرعة كبيرة ، أراحت نادراً ، الذي أحس أن هذا قد يكون كفيلاً بنسيان الموضوع برمته ..  كانت سحب الغبار المتصاعد ، من عجلات عشرات السيارات ، تملأ ما يزيد على الميلين ، من طريق رملي واسع ، في أراض زراعية ، غير مزروعة (في ذلك الوقت من السنة) تربط بين القرية ، التي كانوا فيها ضيوفاً ، و الطريق الأسفلتي الذي يمتد بين بلدة (التربة) و مدينة (تعز) ، و كان عليهم أن يصلوا إليه لينعطفوا غرباً فيقطعوا خمسة أميال منه قبل أن ينعطفوا جنوباً إلى طريق بري آخر ، طوله ثلاثة أميال ، يربط الأسفلت بقريتهم ..
في غمرة الغبار الكثيف ، تنهد نادر تنهيدة ، ارتعش لها ، فألقى نظرة على الركاب ، داخل شبك السيارة ، فرآهم منشغلين ، بمداراة السرعة ، و ذرات الغبار الكثيفة ، التي تجعل سائق هذه السيارة بالذات ، يشعر بطرب كبير ، ناتج عن أوهام بطولة ملحمية غامضة ، يتولى هو فيها ‏‎‎إنقاذ نفسه و الركاب – في تلك الساعة -من وساوس قهرية صاعدة من جحيم الضجر الساحق للعقول و القلوب! ، ليدرك (بهذه البسالة) عدة سيارات ، فيسبقها بجدارة يحسده عليها (مايكل شوماخر) نفسه ، الذي لو ذاق قليلاً من رمل هذه البطحاء ، لظل يسعل شهرين ، قبل أن يعتزل الرياضة ، باعتبارها مخاطرة غير محسوبة ، (ترفض شركات التأمين تحمل تكاليفها !) .. لا يبالي هذا السائق – مثل كثير من السائقين -بركابٍ هم – بدورهم -غير مبالين بكونهم بشراً كرمهم الله ، حتى لو عاد كل واحد منهم لمنزله كأنه بعث من مقبرة ؛ إلى نساء أكثرهن لا يتفاجأْنَ ؛ كما لو كان ذلك ضرورة ، من ضرورات الملحمة الغبارية الأسطورية ، التي تحاول السيطرة على أذهان متوحدة ، و مشاعر متشردة ، وطاقات متبددة ، و أمكنة متمردة ، و أزمنة متولدة من  أسواق حيص بيص ، و أحراش واق الواق ، و أزقة الكهوا كهوا ، و شوارع ذمار المفخخة بكيماويات (القات الضالعي والمقطري و القَدَسي) ..!
داهمت نادراً رأفة حقيقية (ما أرق هذا الفتى!) حين رأى جاره المتقلب الحسود ، و هو يجلس على سقف قفص السيارة بين اثنين (ربما كان هذا هو هدفه ، من الخروج المبكر من ديوان العرس) و كان يتشبث بالشبك الممتد على القفص ، وهو ينظر إلى الأمام ، شامخاً ، مستقبلاً الريح الباردة و كل ذلك الغبار القادم بكثافة هائلة ، بلا أي غطاء على وجهه أو رأسه .. (ربما كان هو الآخر يشترك في مجال مغناطيسي من المشاعر الملحمية ، للفتوحات الغبارية الأسطورية ، مع السائق النشوان ، الذي يجلس تحته في القفص!)
و فيما هم ماضون ، لفت نظر نادر أحد الغلمان ، يخرج من قلب الغبار (مثل بطل كرتوني) يرتدي قميصاً رياضياً ، قصير الأكمام ، أحمر اللون باهته ، يهرع خلف السيارة ، بطريقة تبدو فيها خطواته قصيرة لدرجة غير طبيعية (كأنه في سباق من سباقات رياضة المشي الأوليمبية) و لأنه كان قريباً من السيارة (ربما كان بجانب الطريق قبل ظهوره) لحق بها بسرعة ، و أمسك بحافة الباب القصير المستعرض لشبك السيارة ، واضعاً إحدى قدميه على عقب السيارة ، ليصنع بهذه الوضعية خطوة ختامية ، مكنته من التعلق بمحاذاة نادر ، الذي أفسح له مجالاً مناسباً ، و الذي عرف بعد استوائه بجانبه ، سبب شذوذ طريقته في الجري ؛ إذ كان الغلام يرتدي نعلاً من البلاستيك ، أكبر من حجم قدمه بكثير ..!
(نعل هذا الغلام تشبه نعلي المسروقة) .. هجمت عليه ذكرى الوليمة المؤلمة ، مثل ذبابة قذرة ، أرادت أن تحط على وجهه بإلحاح ..!
لم يخطر في بال نادر فكرة أن هذه النعل قد تكون نعله ، إلا بعد ثلاث دقائق ، من طرده ذبابة الذكرى المؤلمة (ربما بسبب عدم تعوده على التفكير السلبي ، و طبيعته التي تميل للسلام و الهدوء) ..
لكن ذبابة الذكرى التي اختفت ، عادت بعد دقائق ، تطن طنيناً خافتاً – هذه المرة -جعله يلقي نظرة أخرى على النعل في قدمي الفتى ، الذي يقف إلى جواره ، فخطر له ذلك الافتراض .. و طفا على ذهنه التساؤل التالي :
(ما السبب الذي يجعل هذا الغلام يلبس نعلاً أكبر من مقاس قدمه !!) ..
دقق نادر النظر إلى النعل ، و استغرب كيف نسي نعله وتجربة فقدانها المؤلمة إلى حد أن فكرة احتمال أن تكون هذه النعل (المشابهه لنعله تماماً) هي نعله ، هي فكرة لم تخطر بباله إلا الآن فقط ؟!!
-                ما اسمك يا حبوب؟!
-                اسمي (نوفل)
-                من أين أنت ؟!
-                من هنا ..
-                في أي صف؟!
-                الرابع ..
كانا يتحاوران بهدوء ، عدا قلقاً واضحاً في عيني الغلام  ..
‏- لماذا تلبس نعلاً غير مناسبة لمقاسك ؟!
سأله نادر بصوت عادي ، و هو يحرص على أن لا يلاحظ الغلام قدميه الحافيتين ..
‏- أنا أخو العروس ..! (هذا الغلام كان من الغباء أو حداثة التجربة بالسرقة أو الارتباك الناتج عن المفاجأة ، بحيث لم يجد غير العروس ، لينسب نفسه له بتلك النظرة القلقة و النبرة المنكسرة !)
 }في هذه المناطق يطلقون على الرجل الذي يزف اسم عروس ومن تزف إليه عروسة ، و إن استثنينا التاء المربوطة فهذا موافق لأصل اللغة العربية{ ..
هيئة نوفل ، تدل دلالة قاطعة ، على عدم وجود علاقة لهذا الغلام (الذي يبدو كما لو كان خرج من قبر) بزفاف اليوم ..
(.. النتيجة واضحة : هذه نعلي ..) استنتج نادر في ضميره .. فأخذ يصعد و ينزل ببصره ، بين وجه الغلام والنعل ..
‏- هل تسمح بإعطائي النعل ، لأتأكد من صدقك؟! (لاحظْ لطف نادر : لم يقل : لأتأكد أنك لست كاذباً أو سارقاً) .. أنا كما ترى بدون نعل .. أحدهم سرقها في الوليمة ..
‏- لا ، هذه نعلي ، لن أعطيك إياها ..!
أجاب الغلام بسرعة ، و قلق ، دون أن يكلف نفسه النظر لقدمي نادر .. الذي كان قد نسي هذه النعل قبل قليل ؛ و هو الآن (في الحقيقة) غير حريص على استعادتها ؛ و لذا خطر له أن يتسلى بإكمال هذا التحقيق ، بطريقة لا يشعر بها الركاب إن أمكن ..
‏- انظر يا نوفل! ، أعطني النعل ؛ لألقي عليها نظرة فقط ، و سأعيدها ..!
‏- لا ، هذه نعلي ..!
رد الغلام رداً ، كل ما فيه ، من ملامح و سمات تعبيرية مصاحبة  يدينه أكثر مما يدافع عنه ..
‏- ناولني النعل - يا نوفل - و إلا سأنتزعها بالقوة ..!!
هدد نادر الغلام ، بأسلوب هادئ ؛ و هو عازم على عدم تنفيذ تهديده ، بل كان يتوقع أن يقفز الغلام ، في أي ثانية الآن .. بل كان (في الحقيقة) يشعر ، حين هدده ، برغبة واضحة بدفع الغلام للهروب .. لكن الغلام ، ثنى رجله للخلف ، مباشرة ! و تناول النعل ، من إحدى قدميه و سلمها نادراً ! و ترك الأخرى في القدم الأخرى ..!
قرب نادر النعل من عينيه ، و تيقن أنها نعله ، بشكلها ولونها ومادتها وعيوبها وندوبها وعلاماتها الخاصة وحيويتها المبهمة .. (كأن النعل تقول له : اهلاً بك ، أين كنت ، هل تركتني ؟! )
و رغم يقين نادر ، الآن ، إلا أنه راوغ :
‏- يا نوفل ، سأضع النعل بقدمي ، و هي لا تكذب ؛ فإن كانت هذه النعل لها ستخبرني بذلك ، و إن لم تكن ، فسترفضها ..!
فهم الغلام غرض نادر ، فهو كذلك يعلم أن الأقدام لها إحساس ، تستطيع به تمييز الفوارق الدقيقة ، بين أليف الأحذية و غريبها ..
فوجئ نادر بنواف ، يقف أمامه من الداخل ، ممسكاً بعارضة الشبك الخلفية التي يتمسك بها نادر ! و لم يعلم متى غادر سقف القفص ، لينزل كي يتابع هذا الحدث عن كثب ، بملامح توحي بحياد متكلف ، يدحضه ما في أعماق عينيه الكبيرتين – كعيني حيوان بري زاحف -مما يشي بتمنياته القلبية ، بالتوفيق و النجاح ، لهذا الغلام ! (الذي يبدو نادر لئيماً في تصرفه معه)!! كذا انقدحت نار الحسد ، بين جنبي نواف !
لكن خاتمة التحقيق ، جعل ثغر نواف يفتر عن بسمة ، لا يمكن وصفها ، إذ تبدو غريبة ، في بيئة قلقة ، من ملامح مختلطة ، و نظرات مناقضة مخيفة من عينين ، لكأن في بؤبؤيهما تنينين صغيرين يظهران معاً و يختفيان معاً ، مرة في كل هنيهة ، يقذفان بألسنة اللهب ..!
‏- إنها نعلي - يا صديقي - و مؤشر قدمي الحسي وافق بنسبة ارتياح بلغت مائة بالمائة ..!
قال نادر .. و عند هذه النقطة من التحقيق حدثت مفاجأتان :
لم يكن نادر يعلم باقتراب السيارة من الطريق الأسفلتي ؛ إلا بعد أن قفز الغلام ، بفردة نعل واحدة فجأة ، فانعطفت السيارة مضاعفة سرعتها ، و صوتها ، المتحول إلى ما يشبه عواء ذئاب على الأسفلت ..!
و المفاجأة الثانية ؛ حدثت بعد دقيقة من الأولى ؛ حين قللت السيارة من سرعتها تدريجياً ، لتنعطف يميناً ، فيساراً ؛ لتقف أخيراً بمحاذاة محطة وقود ..
-    هاهاهاهاها لقد خدعك يا مغفل ! ماذا ستفعل بفردة نعل واحدة هاهاهاهاها ؟!
صاح نواف بين ضحكتين حقيقيتين ، بصوت يشبه صوت من يتحدث بعد بكاء !
ألقى نادر و نواف (و بعض المتابعين من الركاب) نظرات عفوية متزامنة ، على مكان الغلام الذي قفز ، فرصدته الأنظار متسمراً هناك ، حيث قفز ، ينظر إليهم (لعله كان يشعر أن نادراً من الطيبة الواضحة ، بحيث سيقرر رمي فردة النعل الأخرى ، لكنه لم يكن يعلم أن نادراً تفاجأ بقفزته ، ثم بالأسفلت الذي اضطره للتشبث فقط حتى لا يسقط) ..
‏- اقفز يا حماااااار ، هيا .. ماذا تنتظر؟ و ماذا ستفعل بفردة واحدة من النعل ؟!
صرخ نواف ! و قفز من السيارة ، جارياً تجاه الغلام ، زاجراً نادراً ليتبعه ..!
قياساً بالهرولة السريعة لنواف ، قفز نادر و جرى بتثاقل ، مصحوب بارتباك ، من حرج مفاجئ ألم به .. بعضه فقط يعود لكونه يجري بفردة نعل واحدة ، لكن معظمه يعود لكونه صار غير حريص على استعادة النعل أكثر من السابق ..!
وصل نواف ، ثم نادر ، و توقفا أمام الغلام ، الذي فاجأهما بعدم هروبه .. لكن المفاجأة الأهم التي أضافها ، هي أنه خلع فردة النعل من قدمه ! و مضى بخطى سريعة ، حتى إذا صار على مبعدة ألقى ببعض الشتائم  و جرى هارباً!
أما نواف فقد قفز مختطفاً فردة النعل بسرعة من الأرض (كما لو كانت ستطير) و انطلق صارخاً بصوت لاهث :
هيا هيا .. السيارة السيارة .. بسرعة .. بسرعة .. بسرعة ..
 و عاد يجري إلى السيارة بجنون مضحك (كما لو كانت هذه السيارة مثل عربات النقل الدوارة ، في بعض مدن العالم ، التي تسير بدون سائق ، و تتوقف توقفاً آلياً ، عند كل محطة ، لوقت محدد فقط يسمح للركاب بالترجل عنها ، وآخرين بركوبها من باب آخر! .. أو هو يجري بتلك الطريقة كما لو كان ركاب السيارة هاربين من وحش هائل ! و قد يقررون في أي لحظة -حفاظاً على مجموع الركاب - التضحية بطفلين ، ليكونا مجرد طعم ينشغل به الوحش ، تاركاً للسيارة فرصة الهرب .. أو كما لو كان السائق ، لا يأبه لهؤلاء (الأطفال) ، و ليس مسؤولاً عنهم ، إلى الدرجة التي تجعله لن يستجيب لرجل عاقل محتمل ، يركب في الخلف ، إن أكمل تعبئة سيارته بالوقود، قبل عودتهما ، فطلب منه هذا العاقل الانتظار دقيقة – مثلاً – بحيث أن هذه المدة المحددة (الدقيقة) ستجعله يشعر بضخامة كفالة طفلين أحمقين من جيبه الخاص .. و كأنه الآن ، يغسل قيئهما ، عن صدره ، بفراغ صبر ) ..!
استقر نواف ، و نادر ، داخل الشبك يلهثان ، بعد أن قام البعض ، من الركاب الكبار ، بإقحام نادر داخل الشبك ، فتعاون الجميع ، بعفوية ، متبرعين بسنتيمترات تزحزحاً إلى الداخل ، فكان مجموع ما تبرع به كل الركاب مكاناً كافياً لنادر ، الذي شكرهم ، على هذا  اللطف ، الذي ما كان ليكون ؛ لولا متابعة هؤلاء لما حدث ، منذ خروج نادر من حوش المنزل ، الذي تمت فيه السرقة .. (و كأن على كل طفل ، فقير حافي القدمين ، أن يقدم دراما مسلية لمجتمع الكبار حتى يستحق الرحمة حتى لو اقتضى ذلك أن تكون خشبة المسرح عَقِبَاً حديدية مشوهة لسيارة نقل عام (تويوتا) وسط الغبار الكثيف في جو شديد البرودة !) ..
أما نواف ؛ فما إن وصل ، حتى أخذ يلهث لهاثاً تعمد مضاعفته بطريقة مفتعلة يهدف من خلالها ، إلى جعل الآخرين يتصورون (أن هذا المغوار من الكرم ، بحيث يتوقع أن يموت ، في سبيل خدمة الآخرين يوماً ما) ...!
‏- أص ..أص ..أصلاً  ..أنتم .. لـ..لـ..لا .. تدرون .. أن ..  أن أم..أن أمه سـ .. ستـ .. ستبرحه .. ضرباً ..
 و كما كان كلام نواف هذا أحمق الشكل و المضمون ؛ كان صمته السريع أكثر حماقة ..!
إختبأ نواف ، في مقدمة الشبك ، خلف القفص تماماً ؛ متحاشياً أي نظرة محتملة ، سيلقيها نادر عليه أو على الحذاء المسروق ، فمثل هذه النظرة إن حدثت ستكون كافية ليشعر نواف بأن رُوَيْعِي الغنم نادراً (كان نادر يرعى لأمه غنماً في الصيف) لم ينتصر عليه مرتقياً مرتقىً صعباً فحسب ، بل سحقه بلا رحمة مثل صرصور قذر!  ..

أما نادر (الذي لم يخطر بباله مثل هذه الأفكار) ؛ فقد شعر من أعماقه بارتياح عظيم ، شاكراً الله من تلك الأعماق ؛ فهو الآن لا يخامره شك قط أنه هو من أعاد له النعل .. و قد استنتج – بإدراكه المتوقد -أن قانون الاحتمالات ، الذي درسه في الرياضيات المعاصرة ، لن يعطي لاحتمال عودة نعله من عدد لا يستطيع حصره من الاحتمالات ، إلا قيمة هزيلة تقترب من الصفر بل هي الصفر ذاته ..!

نادر يشعر شعوراً عميقاً أن الله أذن بعودة نعله .. كما أنه يعلم علماً دقيقاً بذلك ؛ فهذه النعل مرت في مسارٍ محدد غاية التحديد من إحداثيات زمانية/مكانية منذ سرقتها حتى استقرار الفردة الثانية منها في قدمه !.. و كان يكفي وقوع انحراف طفيف عن هذا المسار لتذهب النعل باتجاه مغاير .. !

تخسر البشرية كثيراً حين تدخل بإشارة من الشيطان في زقاق فكري شاذ و ضيق يدعى الصدفة حيث يصلون منه لمدن لا تتوقف عن إنتاج الشقاء إلا لإعادة إنتاجه ..! و لو أنهم آمنوا و اتقوا و حاولوا أن يكونوا صالحين لكان الجزء الأكبر من صفحات التاريخ قد تم تسويدها بشكل مختلف ..

  بارك بعضهم ارتياح نادر (الذي لم يستطع التحكم به حين فاض على وجهه فيضاً) بابتسامات عريضة باردة ، من شفاههم .. ابتسامات قد تعني شفقة ما .. أو مجرد شعور بارتياح ، لتصورهم أن (فيض الألق ، الذي على وجه هذا الولد ، يدل على مدى فرحته بالنجاة من أمه ، التي اتضح أنها قاسية ، أكثر مما يتصور) .. و قد تعني هذه الابتسامات سخرية ما من البعض .. و هذا ما بدا جلياً ، من التعليق الوحيد لأحدهم ؛ حين سأله باسماً :

كل هذا الفرح ، من أجل نعل بلاستيكي ، لا قيمة له ؟! ... و لو كان هذا النعل ، صناعة إيطالية ، هل كنت ستتلاشى من الفرح هأهأهأهأ ..!
-    هئ هئ هئ هئ ....
-    ههههههههههههههه ....
-    هاهاهاهاها ....
استطاع نادر تمييز ضحكات مختلفة تلت السؤال التعجبي و الضحكة الساخرة التي ذيلته ، بينما لمح البعض يكتفي بالابتسام ، و هناك آخرون لا يعلمون شيئاً مما حدث ؛ لانفصالهم بأذهانهم بعيداً عن السيارة ..
 لم يعلم هذا البعض الذي ضحك أو اكتفى بالابتسام ، بقصة معركة نادر القيمية ، التي خاضها ، و كان فيها كبيراً ؛ إلى الحد الذي كان حقاً على الله أن يسلي قلبه اليتيم بإعادة نعله! ... و ربما ، كانوا هم أصغر ، إلى حد حرمانهم من أصل الحكاية ، و سر الألق ! .. الألق الذي لم يكن ، لا صناعة إيطالية ، و لا تايوانية .. بل ربانية  !!
-    يا عمتي ، أرجوك ، لا تضربي نادراً و لا تصرخي ، الرجاء كل الرجاء ؛ فقد كنا في وليمة ؛ و تأخرنا للبحث عن نعله المفقود فوجدناه .. هذا سبب تأخره .. أقسم بالله !
قال نواف – مخاطباً أم نادر- بصوت تعمد أن يجعله عاطفياً حين كان يلعب دور الوسيط ، بعد وصولهم ، بسبب توقعه أن يتعرض نادر للحساب ، لتأخره في العودة ؛ حيث وصلت السيارة بعد المغرب .. و رغم أن – أم نادر – لم تكن تنوي (هكذا شعر نادر) محاسبته ، كما يظهر له من ملامحها التي تنم عن طبيعة مزاجها الذي يعرفه ؛ إلا أنها أحبت أن تستغل وساطة نواف ؛ لتظهر سلطتها أمامه (هذا شأنها و هذه تسليتها أمام الآخرين) و ذلك بتمنعها (المتكلف) قبول الوساطة في البداية ، ثم قبولها بالتدريج الطردي إزاء إلحاح نواف ، ضمن حوار مسرحي غرائبي مضحك !
أما نادر ، فهو الآن يشعر بطاقة ذهنية و وجدانية كافية تمكنه من الصبر إزاء طبائع أمه ، و حسد (جارها العظيم) ، لدرجة أنه الآن (على غير عادة حسه الحزين)  كاد أن يفقد ما يقتضيه الموقف ، من اللياقة لدى مقام الأم ، بسبب نوبة عارمة من الضحك المكتوم ..! (تمت)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

((تبارك اسم ربك ذو الجلال و الإكرام))