الجمعة، مارس 25، 2011

طريقة صوفية




    كل يوم أخرج من مقهى (رغد نت) للإنترنت في ساحة الحرية قبل أذان الفجر بقليل ، أمر على ذاك المخيم الضخم و بعض الأفراد يصيحون بالنائمين في الخيام لإيقاظهم للصلاة ، و بعضهم يصلي هنا و هناك ، و بعضهم يتوضأهنا و هناك ، و بعضهم يتناجى هنا و هناك ، و بعضهم يقف في مداخل المخيم لتفتيش القادمين من المدينة ، و بعضهم لا زال نائماً في الخيام و أمام المحلات ..هناك و هنا..

    بعيداً عن الذاكرة السياسية ؛ يتملكني العجب لهذا المشهد ؛ خيامٌ متراصة بدقة على طول أربعة المداخل (الشوارع) للساحة الصغيرة ، و لا تخلو كل خيمة من شعار ، أو صورة شهيد قديم أو حديث ،أو اسم منظمة أو نقابة أو جمعية أو اتحاد ، أو اسم عزلة أو قرية أو مديرية مسبوقة عادة بكلمة ( أبناء) و متبوعة ب: قرروا إسقاط النظام ..

    أتعجب في تلك الدقائق كل يوم بعد خروجي من عالم النت الافتراضي الجذاب و الخلاب ؛ و يخالجني شعور عميق و لذيذ بُعيد الخروج من المقهى إلى مخيم الاعتصام بساحة الحرية أنني لا زلت في العالم الافتراضي بل أصبحت بذاتي كائناً افتراضياً .

     ترتسم البسمة في فمي صاعدة من أعماقي حين أحس حينذاك أننا نعيش ضمن ما يشبه قصة كرتونية للأطفال !! أو كأننا في حديقة أطفال ديزني لاند ثورية ؛ نلعب و نتسلى !! و يسودنا قانون واحد لا يتخلف عنه أحد !!

    تزداد بسمتي انفراجاً حين يفتشني أحد أفراد الصف الداخلي من الطلاب المفتشين متحسساً - حد الدغدغة - لوسطي بشكل دائري و لجنبيَّ صعوداً إلى الآباط و نزولاً إلى الساقين ! يستغرب الطالب المفتش  حين يراني مبتسماً ملتفتاً نحوي قائلاً : حياك الله !

    تذكرت أحد البسطاء ، وجدته في الأسبوع الأول من اعتصام ساحة الحرية ، (هو بالتحدد من طائفة المهمشين السود) .. تذكرته وهو يبدو ذابلاً من الجوع و الفقر حين كان خارجاً من ميدان الحرية حافي القدمين ، و قد تناهى إلى سمعي قوله بنغمة مليئة بالسخرية منا ومن اعتصامنا : ( اِييييرحلْ اِيييييرحلْ .. أهْ يفدوا بُـــكم فداء ) يمطها سخرية!! و هذه العبارة تقولها النساء عندنا للتحقير!!

     لقد مس معنوياتي - إن شئتم الصدق - و خاطبتُ نفسي صارخاً بصوت داخلي مكتوم : قبحه الله إنه يسخر مما نفعل !

    لم أجرؤ على مخاطبته لأنني شعرت للحظة أننا نلعب حقاً ! و أن نظاماً طاغوتياً يملك دولة يستحيل أن ننال منه بمجرد صراخنا المستمر طالبين رحيله!

    هناك الكثير من الناس ، بسطاء و حتى أساتذة جامعة!! كانوا يغمزون و يلمزون سخرية منا!!

    أحد المدرسين اتصل من المدرسة التي أعمل فيها و جعل ينصحني بلغة مخلصة بأن أحضر للمدرسة على الأقل - كما قال - من أجل التوقيع على حافظة الدوام و العودة مرة أخرى !! و لم يفلح شرحي لإقناعه بأن لدينا ثورة ، فلم يدخل معي بهذا الموضوع قط ؛ و جعل كلما قلت له : ثورة قال : حافظة!!

    أمي - حفظها الله - اتصلت من جهتها و هي تبكي و تشرح لي المعادلة التي تؤمن بها ، و عجزتُ كيف أرد عليها لإقناعها !

    مرت أربعة و أربعون يوماً على اعتصامنا و تخلخلت بنية النظام المدنية و العسكرية..و تمددت الثورة لمربعات لم أتصور أن تصل إليها ، و تمدد عجبي و لم يقتصر على تلك اللحظة التي أخرج فيها من النت قبيل الفجر ، لقد تمدد حتى ملأ بعلاماته معظم يومي ، بجرعة عالية من اللذة التي لم أعهدها من قبل !

    الليلة الفائتة و نحن نفترش الأرض مستمتعين بالجو الربيعي المعتدل..
و بالنجاحات الجديدة التي تحققها الثورة..
و بالبرامج و الأناشيد والأغاني والأهازيج و القصائد و المسرحيات و مختلف الفقرات التي تقدمها منصة الاعتصام و تكبرها العديد من السماعات المنتشرة على كل مكان من المخيم..
و بالأخبار الجديدة القادمة عبر لوحات ضخمة لقناة الجزيرة و قناة سهيل..
و بالأحاديث الشيقة بين معارف جدد و أصحاب مضى على بعضهم سنوات طويلة لم يلتقوا فيها ..
و أنا في غمرة الاستمتاع بعالم ألف ليلة و ليلة رأيت ذلك المهمش يهتف مع الجماهير بحماس !! 


ارحل ارحل يا شاويش ... خلّ الشعب اليمني يعيش

    راقبته بعجب دون أن يلحظ ذلك .. تأملتُ تصرفاته المختلفة لفترة من الزمن..

    أستطيع القول أنه كان يتعامل في المخيم بنشاط و حيوية كأنه مريد متحمس ضمن تجمع ضخم لطريقة من الطرق الصوفية في موسم حجها الأكبر !!!


حاولتُ جاهداً مغالبة نوبة من البكاء دهمتني فجأة ...


هناك 5 تعليقات:

  1. يبدأ الانتشار يقتنع بالفكرة حتى تطغى على جميع العقول

    حتى تصبح الهدف الأول لكل هؤلاء

    بالطبع، من يصدق أن أنظمة مترسجة بجذورها العفنة في الأرض كل هذه السنين قد تتزعزع !!

    لكنها قدرة الله، و "إن تنصروا الله ينصركم"

    أسأل الله لكم ثباتًا، وقوة في الحق، ونصرًا عزيزًا قريبًا إن شاء الله

    ردحذف
  2. لله ذرهم من شعب أبي .. ايقظ مسامع العالم ..

    أسأل الله للشعب اليمني الثبات على الإيمان بأن الله معنا .. بوحدة قلوبنا وأهدافنا ..

    فاللهم سلم اللهم سلم ..

    ردحذف
  3. ماجد عباس26 مارس 2011 9:48 ص

    هي تدابير المدبر استاذ احمد الذي ان اراد شيئا فإنما يقول لهكن فيكون .....رائعة جداً قصتك كنت ابتسم وعيونى تمضي بين حروفها وكلماتها وكأني اسمعها منك...لقد نقلتني فعلا الى ساحة الحرية بـ تعز

    ردحذف
  4. أخي وأستاذي
    أيدكم الله بنصره وحماكم الله من كل سوء
    ان شاء الله النصر قريب
    دمت بخير
    تحياتي

    ردحذف
  5. السلام عليكم

    أتمنى أن تصلوا إلى ما ترتئون إليه بعد الثورة ...

    استودعناك الله .

    ردحذف

((تبارك اسم ربك ذو الجلال و الإكرام))